مَوْلِدُ النُّورِ الْمُبِينِ وَالشَّفِيعِ الْأَمِينِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنَارَ الْوُجُودَ بِطَلْعَةِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَزْكَى الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ، قَمَرِ الْهِدَايَةِ وَكَوْكَبِ الْعِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ ، مِصْبَاحِ الرَّحْمَةِ الْمُرْسَلَةِ وَشَمْسِ دِينِ الْإِسْلَامِ ، مَنْ تَوَلاهُ مَوْلَاهُ بِالْحِفْظِ وَالْحِمَايَةِ وَالرِّعَايَةِ السَّرْمَدِيَّةِ ، وَأَعْلَى مَقَامَهُ فَوْقَ كُلِّ مَقَامٍ ، وَفَضَّلَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ذَوِي الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ ، فَكَانَ لِلْأَوَّلِينَ مَبْدَأً وَلِلْآخِرِينَ خِتَامًا ، وَشَرَّفَ أُمَّتَهُ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ الْقَبْلِيَّةِ فَنَالَتْ بِهِ دَرَجَاتِ الْقُرْبِ وَالسَّعَادَةِ وَالْاحْتِرَامِ ، وَأَنْزَلَ تَشْرِيفَهَا فِي مُحْكَمِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فَمَا أَعْذَبَ هَذَا الْكَلامَ .
أَحْمَدُهُ أَنْ جَعَلَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَخْصُوصَةِ بِهَذِهِ الْمَزِيَّةِ ، الْفَائِزَةِ بِالْوُصُولِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى هَذِهِ الْعَطِيَّةِ ، وَأَسْتَعِينُ بِهِ وَأَسْتَهْدِيهِ عَلَى الدَّوَامِ ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَوْزَارِ وَالزَّلَلِ وَالْخَطِيَّةِ ، وَأَسْتَغْفِرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ ، وَأَطْلُبُ الْفَوْزَ بِقُرْبِهِ وَالرَّجَاءَ وَالْأُمْنِيَةَ ، وَأَسْأَلُهُ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَحُسْنَ الْخِتَامِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْقَدِيمُ فِي ذَاتِهِ الْأَحَدِيَّةِ ، الْمُنْفَرِدُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ ، شَهَادَةً أَتَخَلَّصُ بِهَا مِنَ النَّزَعَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ ، وَأَنْتَظِمُ بِهَا فِي سِلْكِ قَوْمٍ مُخْلِصِينَ لَهُمْ فِي الْعِبَادَةِ أَقْدَامٌ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بِمَعْنَاهُ أَبْوَابَ النَّشْأَةِ الْوُجُودِيَّةِ ، وَخَتَمَ بِصُورَتِهِ نِظَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ الْكِرَامِ ، وَقَدِ اشْتَمَلَ اسْمُهُ الشَّرِيفُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ هِجَائِيَّةٍ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا مَزِيَّةٌ وَمَقَامٌ :
فَالْمِيمُ الْأُولَى : مَا مِنْ نَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ إِلَّا خُلِقَ مِنْ نُورِ طَلْعَتِهِ الْبَهِيَّةِ ، فَهُوَ أَصْلٌ وَالْكُلُّ مِنْهُ فَرْعٌ بِلَا شَكٍّ وَلَا إِيهَامٍ .
وَالْحَاءُ : حِمًى لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَ مِلَّتَهُ الْحَنِيفِيَّةَ ، وَحَاشَا مَنْ صَدَقَ بِرِسَالَتِهِ وَتَمَسَّكَ بِسُنَّتِهِ أَنْ يُضَامَ .
وَالْمِيمُ الْأُخْرَى : مِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَى عَالَمِ الْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ .
وَالدَّالُ : دَعْوَةُ شَفَاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ قَدْ خَبَأَهَا لَهَا فِي عِلْمِهِ الْعَلِيمِ الْعَلَّامِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ لَا يَعْتَرِيهِمَا انْصِرَامٌ .
( اللَّهُمَّ عَطِّرْ قَبْرَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّحِيَّةِ وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَالْآثَامَ )
( أَمَّا بَعْدُ ) فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ الرَّاجِي مِنَ اللَّهِ الْأَلْطَافَ الْخَفِيَّةَ ، الطَّالِبُ مِنْهُ تَعَالَى مَحْوَ الْمَسَاوِي وَالْآثَامِ ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَةً حَقِيقِيَّةً ، وَمَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآهُ حَقًّا كَمَا رَوَتْ عَلَيْهِ الْأَفَاضِلُ الْأَعْلَامُ ، رَأَيْتُهُ مُزَمَّلاً فِي ثِيَابٍ سُندُسِيَّةٍ ، مَرْبُوعَ الْقَامَةِ أَبْيَضَ اللَّوْنِ جَمِيلَ الصُّورَةِ وَفَصِيحَ الْكَلَامِ ، كَامِلاً فِي ذَاتِهِ مُكَمَّلاً فِي أَوْصافِهِ الْخَلْقِيَّةِ ، مَا خَلَقَ اللَّهُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ فِي الْأَنَامِ ، عَظِيمَ الرَّأْسِ أَسْوَدَ الشَّعْرِ تَتِيهُ فِي مَحَاسِنِهِ الْقُلُوبُ الزَّكِيَّةُ ، وَتَتَحَيَّرُ فِي كَمَالِ جَمَالِهِ الْأَفْهَامُ ، قَمَرِيَّ الْجَبِينِ حَوَاجِبُهُ نُونِيَّةٌ ، كَحِيلَ الطَّرْفَيْنِ أَهْدَبَ الْعَيْنَيْنِ ظَرِيفَ الْقَوَامِ ، أَبْيَضَ الْخَدَّيْنِ مُشْرَبًا بِالْحُمْرَةِ وَوَجَنَاتُهُ ضَوْئِيَّةٌ ، وَوَجْهُهُ كَأَنَّهُ لَيْلَةُ الْبَدْرِ لَيْلَةَ التَّمَامِ ، يَجْرِي الْحُسْنُ فِي خَدَّيْهِ كَمَا تَجْرِي الشَّمْسُ فِي مَسَالِكِهَا الْفَلَكِيَّةِ ، كَوْكَبِيَّ الْأَنْفِ يَزُولُ مِنْ ضِيَائِهِ الظَّلَامُ ، يَاقُوتِيَّ الشَّفَتَيْنِ مُفَلَّجَ الْأَسْنَانِ إِذَا تَكَلَّمَ خَرَجَ النُّورُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ اللُّؤْلُئِيَّةِ ، وَاسِعَ الْفَمِ سَلْسَبِيلَ الرِّيقِ جَمِيلَ الِابْتِسَامِ ، كَثَّ اللَّحْيَةِ شَدِيدَ الْهَيْبَةِ مُعْتَدِلَ الْعُنِقِ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ النَّقِيَّةِ ، وَلَهُ عَيْنَانِ فِي ظَهْرِهِ يَرَى بِهِمَا مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مَنْ فِي الْأَمَامِ ، بَارِزَ الْعَضُدَيْنِ طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ كَرِيمَ الْكَفَّيْنِ أَجْوَدَ مِنَ السُّحُبِ الْمُمْطِرَةِ الْغَيْمِيَّةِ ، سَلِيمَ الصَّدْرِ مُمْتَلِئًا مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحْكَامِ ، بَطْنُهُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ وَمَعَارِفِهِ مَطْوِيَّةٌ وَإِذَا نَامَتْ عَيْنَاهُ فَقَلْبُهُ لَا يَنَامُ ، مُنِيرَ السَّاقَيْنِ ظَرِيفَ الْكَعْبَيْنِ أَعْقَابُهُ سِرَاجِيَّةٌ ، وَلَهُ فِي الصَّخْرِ غَاصَتِ الْأَقْدَامُ .
( اللَّهُمَّ عَطِّرْ قَبْرَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّحِيَّةِ وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَالْآثَامَ )
اعْلَمْ -وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ- بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمَرْضِيَّةِ ، وَأَبْرِئْ قُلُوبَنَا مِنَ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ ، وَمَتِّعْنِي وَإِيَّاكَ بِزِيَارَةِ رَوْضَتِهِ الشَّرِيفَةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَجَعَلَنَا لَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْخُدَّامِ ، أَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذُكِرَ فِي مَجْلِسٍ إِلَّا نَفَحَتْ مِنْهُ رَائِحَةٌ زَكِيَّةٌ ، فَتَبْلُغُ عَنَانَ السَّمَاءِ وَيَتَجَلَّى بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : إِلَهَنَا وَسَيِّدَنَا مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الْمِسْكِيَّةُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خِطَابًا لِلْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ : يَا مَلَائِكَتِي هَذَا مَجْلِسٌ صُلِّيَ فِيهِ عَلَى حَبِيبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَيْرِ الْخَلَائِقِ الْبَشَرِيَّةِ ، الَّذِي خَلَقْتُهُ بِقُدْرَتِي وَابْتَدَعْتُهُ بِحِكْمَتِي وَأَضَفْتُهُ تَشْرِيفًا إِلَى عَظَمَتِي وَاصْطَفَيْتُهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنَامِ ، فَتَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْمَجْلِسِ وَتَحُفُّهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمُ النَّورَانِيَّةِ ، وَيَسْتَأْنِسُونَ بِهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ عَلَى الدَّوَامِ ، وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دَعَوَاتِهِمْ وَيَشْهَدُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ بِالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ ، ثُمَّ يَرْتَفِعُونَ وَهُمْ يَذْكُرُونَهُمْ بِأَحْسَنِ مَقَالٍ وَأَجَلِّ مَقَامٍ ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ كِتَابَهُمْ فِي عِلِّيِّينَ فِي الدَّارِ الْجَنَانِيَّةِ ، وَيَمْنَحُهُمْ قُرْبَهُ وَرِضَاهُ وَيُمَتِّعُهُمْ فِيهَا بِالْحُورِ الْعِينِ الْحِسَانِ وَنِعْمَ الْإِكْرَامِ ، فَزَيِّنُوا مَجَالِسَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمَاتِ الزَّكِيَّةِ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْضُرُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِيهِ فَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالسَّلَامِ .
وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَالسَّلَامَ فِي الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ ، حَيْثُ قَالَ وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْمُفَضَّلِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ بَدَأَ بِنَفْسِهِ وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ الْقُدْسِيَّةِ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أَمَرَنَا بِذَلِكَ فِي كُلِّ مَحْفِلٍ وَمَقَامٍ ، وَقَدْ فَضَّلَهَا بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ النَّفْلِيَّةِ ، فَيَا سَعَادَةَ مَنْ أَشْغَلَ نَفْسَهُ بِهَا وَلَازَمَ وَرْدَهَا عَلَى الدَّوَامِ .
( اللَّهُمَّ عَطِّرْ قَبْرَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّحِيَّةِ وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَالْآثَامَ )
وَمِنْ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَنَّهَا دَلَائِلُ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ وَالْفُتُوحَاتِ السُّنِيَّةِ ، وَمَهْبِطُ الرَّحَمَاتِ وَالْأَفْضَالِ وَالْإِنْعَامِ ، وَبَابُ الرِّبَاحِ وَالْفَلَاحِ وَالصَّلَاحِ وَالْعَطِيَّةِ ، وَكَنْزُ النَّجَاحِ وَبَحْرُ السَّمَاحِ لِمَنْ لَهَا قَدْ أَدَامَ ، وَوَصْلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ وَسَبَبٌ لِحُصُولِ الْأَرْزَاقِ وَالْغَنَائِمِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَحِجَابٌ مِنَ الْخُطُوبِ وَالْكُرُوبِ وَالْآثَامِ ، وَسَعَادَةٌ فِي الدَّارَيْنِ وَتُخَفِّفُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَتَحْفَظُ مِنَ الْأَهْوَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ ، وَأَمَانٌ مِنَ الْفِتَنَاتِ وَطْلقَةٌ لِلِّسَانِ عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ وَسِرَاجٌ فِي الْقُبُورِ مِنَ الْوَحْشَةِ وَالظَّلَامِ ، وَيُظَلَّلُ الْمُصَلِّي تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُؤْتَى كِتَابَهُ بِيَدِهِ الْيَمِينِيَّةِ ، وَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا يُكْرَمُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ ، وَيَشْرَبُ مِنْ حَوْضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْبَةً سَائِغَةً هَنِيَّةً ، وَيَرَى عِنْدَ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ نُورًا أَعْظَمَ مِنَ الْبَدْرِ التَّمَامِ ، وَيُعْطَى فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى الْقُلُوبِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَيُسْقَى مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ فِي دَارِ السَّلَامِ ، فَعَلَيْكَ بِهَا أَيُّهَا الْمُحِبُّ وَلَازِمْ وَرْدَهَا فِي أَوْقَاتِ عُمُرِكَ الدَّهْرِيَّةِ ، لَعَلَّكَ تَفُوزُ بِدَارِ الدَّوَامِ مَعَ الْفَائِزِينَ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ .
( اللَّهُمَّ عَطِّرْ قَبْرَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّحِيَّةِ وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَالْآثَامَ )
وَفِي أَوْلَى لَيَالِي حَمْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُغْلِقَتْ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ الرِّضْوَانِيَّةِ ، وَاطَّلَعَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَتَجَلَّى بِرَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ التَّجَلِّي الْعَامَّ ، وَاهْتَزَّ الْعَرْشُ طَرَبًا وَمَالَ الْكُرْسِيُّ عَجَبًا وَانْتَشَرَتِ الرَّايَاتُ الرَّبَّانِيَّةُ ، وَتَلَأْلَأَتِ الْكَائِنَاتُ بِالْأَنْوَارِ وَتَنَكَّسَتْ عَلَى رُؤُوسِهَا الْأَصْنَامُ ، وَنَطَقَتْ دَوَابُّ قُرَيْشٍ بِالْمَقَالَاتِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَقَالَتْ : حُمِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَهُوَ إِمَامُ الدُّنْيَا وَسِرَاجُ الْأَنَامِ ، وَفَرَّتْ وُحُوشُ الْمَشَارِقِ إِلَى وُحُوشِ الْمَغَارِبِ بِالْبَشَائِرِ الْقَوْلِيَّةِ ، وَبَشَّرَتْ حِيتَانُ الْبَحْرِ بَعْضُهَا بَعْضًا بِظُهُورِ مِصْبَاحِ الظَّلَامِ . وَنَادَى لِسَانُ حَالِ الْكَائِنَاتِ : جَاءَنَا الْيُسْرُ بَعْدَ الشَّدَائِدِ الْعُسْرِيَّةِ ، وَظَهَرَ إِمَامُ الْعَدْلِ وَالرَّقِيبُ مِنَ الْحَوَاسِدِ نَامَ ، وَلَمْ تَجِدْ أُمَّةٌ فِي حَمْلِهَا وَحَمًّا وَلَا تَعَبًا وَلَا كَرْبِيَّةً ، وَلَا ثِقْلًا وَلَا هَزًّا إِلَّا وَلَامَسَ آلَامًا ، وَكَانَ بَدْءُ حَمْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنَ اللَّيَالِي الرَّجَبِيَّةِ ، وَانْتِهَاؤُهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الْأَيَّامِ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُسَبِّحُ وَيُقَدِّسُ ذَاتَ رَبِّهِ الْوَحْدَانِيَّةِ ، فَكَانَتِ السَّيِّدَةُ تَسْمَعُ تَسْبِيحَهُ وَتَقْدِيسَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا فَسَبِّحُوا مَنْ لَا يَنَامُ .
( اللَّهُمَّ عَطِّرْ قَبْرَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّحِيَّةِ وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَالْآثَامَ )
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ نُورُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بَشَّرَتْهَا الْأَنْبِيَاءُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِ الْحَمْلِ بِالْبَشَائِرِ الْجَلِيلَةِ الْبَهِيَّةِ :
فَفِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ جَاءَهَا السَّيِّدُ آدَمُ وَبَشَّرَهَا فِي مَنَامِهَا بِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِشَفِيعِ الْمُذْنِبِينَ يَوْمَ الزِّحَامِ .
وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي جَاءَهَا شِيثُ وَبَشَّرَهَا فِي مَنَامِهَا بِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِدُرَّةِ بَهْجَةِ الْأَنْوَارِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ ، وَلَمَّا تَمَّ لِحَمْلِهِ شَهْرَانِ تَوَفَّى أَبُوهُ عِنْدَ أَخْوَالِهِ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الشَّامِ .
وَفِي الثَّالِثِ جَاءَهَا نُوحٌ وَبَشَّرَهَا بِسَفِينَةِ الْعُلُومِ اللَّدُنِيَّةِ .
وَفِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ جَاءَهَا الْخَلِيلُ إِبْرَاهِيمُ وَبَشَّرَهَا بِرَسُولِ الْمِلَّةِ السَّمْحَاءِ الْحَنِيفِيَّةِ .
وَفِي الشَّهْرِ الْخَامِسِ جَاءَهَا الذَّبِيحُ إِسْمَاعِيلُ وَبَشَّرَهَا بِأَفْضَلِ مَنْ نَطَقَ بِالْعَرَبِيَّةِ .
وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ جَاءَهَا السَّيِّدُ دَاوُدُ وَبَشَّرَهَا بِمَنْ كَانَتِ الْجَوَامِدُ فِي يَدِهِ لَيِّنَةً طَرِيَّةً .
وَفِي الشَّهْرِ السَّابِعِ جَاءَهَا السَّيِّدُ سُلَيْمَانُ وَبَشَّرَهَا بِعَيْنِ الْأَعْيَانِ الْإِنْسَانِيَّةِ .
وَفِي الشَّهْرِ الثَّامِنِ جَاءَهَا مُوسَى وَبَشَّرَهَا بِطَوْرِ التَّجَلِّيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ .
وَفِي الشَّهْرِ التَّاسِعِ جَاءَهَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ الطَّاهِرَةِ ، وَبَشَّرَهَا بِأَفْضَلِ مَنْ حَجَّ وَصَلَّى وَصَامَ .
وَلَمَّا كَمُلَتْ عِدَّةُ أَشْهُرٍ أَشْرَقَتِ الْأَقْطَارُ بِالْأَنْوَارِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، وَنُشِرَتْ لَهُ فِي جَوَانِبِ الْأَرْضِ الْأَعْلَامُ ، وَلَمَّا جَاءَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ حَضَرَتْ لَيْلَةُ مَوْلِدِهِ الْمُنِيرَةُ الْقَمَرِيَّةُ ، وَاشْتَدَّ بِآمِنَةَ الطَّلْقُ بِلَا وَجَعٍ وَلَا إِسْقَامٍ ، وَدَخَلَتْ عَلَيْهَا النِّسْوَةُ الْحُورِيَّةُ وَمَعَهُنَّ آسِيَةُ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَحَوَّاءُ وَسَارَةُ لِلتَّهْنِئَةِ ، وَأَقْبَلَ الْأَمِينُ جِبْرِيلُ وَبِيَدِهِ ثَلَاثَةُ أَعْلَامٍ ، وَدُقَّتْ طُبُولُ الْأَفْرَاحِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
( اللَّهُمَّ عَطِّرْ قَبْرَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّحِيَّةِ . وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَالْآثَامَ )
وَتَلَأْلَأَتِ الْكَائِنَاتُ بِطَوَالِعِهِ السُّعُودِيَّةِ ، وَافْتَخَرَتِ الْخَلَائِقُ بِقُدُومِهِ وَالْعَرَبُ وَالْأَعْجَامُ ، وَرَأَتْ أُمُّهُ نُورًا خَرَجَ مِنْهُ أَضَاءَ الْأَرْجَاءَ الْعُلْوِيَّةَ وَالسُّفْلِيَّةَ ، وَتَدَلَّتِ الْكَوَاكِبُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَأَقْبَلَ إِلَى بَيْتِ آمِنَةَ الْغَمَامُ ، وَرَأَتْ مَنْ يَقُولُ لَهَا : سَتَضَعِينَ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلْوِيَّةِ ، فَإِذَا وَضَعْتِيهِ فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا لِيُحْمَدَ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الزِّحَامِ ، وَلَمْ تَزَلِ السَّيِّدَةُ تُشَاهِدُ مِنْ غَرَائِبِ مُعْجِزَاتِهِ أُمُورًا نُورَانِيَّةً ، وَذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ اللُّمْعَةِ الْفَجْرِيَّةِ ، فَأَخَذَهَا الْمَخَاضُ وَوَضَعَتْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُورًا يَتَلَأْلَأُ كَالْبَدْرِ لَيْلَةَ التَّمَامِ ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْحَاضِرِينَ وَالسَّامِعِينَ الْقِيَامُ عِنْدَ ذِكْرِ مَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمًا لِقُدُومِ ذَاتِهِ الْبَهِيَّةِ ، فَيَا سَعَادَةَ مَنْ وَقَفَ تَعْظِيمًا لَهُ عَلَى الْأَقْدَامِ
هنااااااااااا

تعليقات
إرسال تعليق