تحميل كتاب الامتحان علوم تانية اعدادي الترم التاني 2026
من أول لحظة شفت فيها الخيل ده، وأنا جسمي اتجمد.
كان واقف في الجنينة، سابت رجليه في الأرض كأنه طالع من باطنها، عيونه سودا، مش سودة بس... سودا بتلمع كأنها جمر، كأنها بتتحداني.
وشه؟ وشه مش وش حيوان... ده وش حاجة تانية.
وش كأنه متقسم تلات وشوش، كل واحد بيبصلي من زاوية، وكلهم بيقولولي نفس الجملة: إنتِ هتموتي النهاردة.
إيدي راحت للموبايل من غير ما أحس، وقلبي بيخبط في ضلوعي كأنه بيصرخ بدل صوتي.
كتبت لمحمد:
إيه الخيل اللي شبه الشيطان ده؟! إنت جايبهولي ليه؟ ناوي تقتلني؟!
ما لحقتش حتى أتنفس، لقيت رده جاي:
إنتِ عبيطة؟! أقتلك ليه؟ وبعدين الخيل تحفة! شكلك إنتِ اللي اتجننتي.
تحفة؟
أنا شايفة الموت في عيونه، وهو شايفه تحفة؟
بصيت للرسالة، وقلبي وقع.
مش بس من الخوف... من الصدمة.
إزاي بيكلمني كده؟
كتبتله وأنا إيدي بتترعش:
آه، إنت عايز تخلص مني عشان تاخد الورث! ده مش خيل عادي، ده جن! أعوذ بالله!
قفلت الموبايل، مش مستنية رده.
أنا عارفة هو ناوي على إيه.
من يوم ما عرف إن بابا الله يرحمه كتبلي نص الورث، وهو اتغير.
بقى بيبصلي كأني سرقاه... كأني دخيلة.
بيقوليها في وشي من غير كسوف:
إزاي بنت الخدامة تاخد نص فلوس أبويا؟!
أنا؟
بنت الخدامة؟
أنا اللي كنت فاكرة إننا إخوات؟
أنا اللي كنت بقول عليه سندي؟
قعدت أعيط، ودموعي بتنزل على صورتي مع بابا اللي لسه محتفظة بيها في الموبايل.
يا بابا، ليه سبتني؟ من يوم ما مشيت، ومحمد قلبه اسود... بيكرهني، بيقوللي أمك خطفتك مننا... وأنا؟ أنا مالي؟
كل حاجة بقت نار.
نار في البيت، نار في قلبي، ونار في عيونه.
بقى بيعد الأيام، مستني لحظة يوقعني فيها.
وأنا؟
كنت لسه متمسكة بأمل صغير... إن الدم ما يبقاش ميّه.
بس الأمل مات.
الليل جه، والدنيا سكتت.
سكون غريب، كأن البيت بيحبس أنفاسه.
وفجأة، صوت صهيل عالي شق السكون.
صوت مش طبيعي... كأنه صرخة من عالم تاني.
نزلت بسرعة، قلبي بيخبط في صدري، رجلي بتجري بس عقلي بيقوللي ارجعي.
لقيته... الخيل.
واقف في نص الجنينة، بس مش زي ما شوفته قبل كده.
وشه بقى تلات وشوش، زي الصورة اللي شوفتها مع محمد زمان، كأنها كانت نبوءة، أو تهديد.
الخيل بيقرب، وأنا بتراجع، كل خطوة ليه قدام، بخطوتين لورا.
رجلي بتتهز، نفسي بيقطع، بصرخ... بس الصوت مش طالع.
كان فاضل لحظة... لحظة واحدة، وكان هيهجم.
وفجأة، صوت خبطة قوية!
الخيل وقع.
ببص ورايا، وأنا جسمي كله بيرتعش...
لقيته.
محمد.
واقف، ماسك عصاية، وبيضحك... ضحكة كلها مكر، كلها انتصار.
قاللي بصوت بارد، كأنه بيقرا حكم إعدام:
هتمضي على التنازل... ولا أسيب الحيوان ده يخلص عليكي؟ ده مفترس، مش هياخد في موتك ثواني.
اتجمدت.
بصيتله، ودموعي نازلة، مش من الخوف... من القهر:
أنا أختك يا محمد... ليه بتعمل فيا كده؟
ضحك، ضحكة خالية من الرحمة، وقال:
إنتِ عمرك ما كنتي أختي. إنتِ خدتِ أبويا مني... خدتِ حبه، ودلعه، وأنا وامي كنا عايشين في المرمطة. دلوقتي جاية تاخدي الورث؟! لا ... هتدوقي العذاب اللي أنا شربته سنين.
طلع ورقة من جيبه، ومدها لي.
امضي.
قلتله وأنا ببص في عيونه:
مش هتنازل عن حقي.
ضرب الحيطة بالعصاية، الصوت رجّ البيت، وأنا صرخت.
امضي ... ولا أقسم بالله ما هتشوفي الشمس تاني.
مضيت.
بإيدي المرتعشة، مضيت.
مش عشان خايفة... عشان عارفة إن ده مش آخر الطريق.
وبعدها... طردني.
رمى شنطتي في وشي، وقاللي:
برا بيتي.
قعدت على الرصيف، في عز البرد، والدموع مغرقاني.
الناس ماشية، محدش بيبص، محدش بيسأل.
وأنا؟
أنا جوايا كلمة واحدة بتتردد، بتخبط في قلبي زي الطبول:
أنا ذنبي إيه؟
بس الحقيقة؟
مكنش عندي إجابة.
ولا حتى عزاء.
الدنيا كلها بقت ضدي، واللي كنت فاكرة إنه ضهري، طلع أول واحد يطعني.
الورق اللي مضيت عليه، كان شهادة موتي... مش قانونية، بس نفسية.
مضيت على سكوتي، على حقي، على كرامتي.
الليل طول، والبرد دخل في عظمي، بس مكنش فيه مكان أروحه.
كل البيوت مقفولة، وكل القلوب أقفل.
حتى السما، كانت سودة... من غير نجمة، من غير أمل.
قعدت أبص في الأرض، ودموعي بتنزل من غير صوت.
فجأة، حسيت بحاجة بتتكسر جوايا.
مش قلب... لا، القلب اتكسر من زمان.
دي كانت آخر حاجة فضلت ماسكة فيا... الرغبة في الحياة.
قمت، ومشيت.
مش عارفة رايحة فين، ولا ليه.
بس كنت ماشية، كأني بهرب من نفسي.
كل خطوة كانت تقيلة، وكل نفس كان بيحرق صدري.
وصلت عند البحر...
المكان اللي بابا كان بياخدني ليه وإحنا صغيرين.
كنت بحبه، كنت بحس فيه بالأمان.
بس دلوقتي؟
حتى الموج بقى بيخوفني.
قعدت على الرمل، وبصيت للميه.
الهدوء كان مرعب.
كأن البحر نفسه بيواسيني... أو بيستناني.
كتبت رسالة صغيرة، على ورقة قديمة كانت في شنطتي.
كتبت فيها:
أنا آسفة يا بابا... حاولت أكون قوية، حاولت أصدق إن في عدل، بس تعبت.
سامحني... وسامحهم.
أنا جاييلك أنت وماما، لإن مبقاش لي حياة تاني من غيركم.
سِبت الورقة على الصخرة اللي كنا بنقعد عليها سوا، وقمت.
خطوتي كانت هادية اتجاة المياه...
بس قلبي؟
كان ساكت.
وساعتها...
سكت كل شيء.
بس الغريب؟
ولا حد سأل.
ولا حد دور.
ولا حتى محمد.
عدّت أيام، ويمكن شهور...
والناس نسيت.
بس البحر؟
لسه محتفظ بسرّه.
والصخرة؟
لسه شايلة الورقة...
مبلولة، باهتة، بس الحروف فيها لسه واضحة:
أنا ذنبي إيه؟
تعليقات
إرسال تعليق